عمر فروخ
258
تاريخ الأدب العربي
ونفس تعاف العار حتى كأنما * هو الكفر يوم الروع ، أو دونه الكفر « 1 » . فأثبت في مستنقع الموت رجله ، * وقال لها : « من تحت أخمصك الحشر » « 2 » . غدا غدوة والحمد نسج ردائه ، * فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر « 3 » . تردّى ثياب الموت حمرا ، فما دجا * لها الليل إلّا وهي من سندس خضر « 4 » ! - فتح عمورية خرج توفيل ( ثيوفيلوس ) إمبراطور الروم إلى زبطرة ، وهي بلدة ولد فيها المعتصم ، وقيل : بل ولدت أمّه فيها ، وسبى من أهلها وارتكب فظائع هائلة . ورووا أن امرأة هاشمية صرخت ، لمّا وقعت في السبي : وا معتصماه ! اتّصل خبر ذلك بالمعتصم فتجهّز أعظم جهاز وقصد عمورية ( منشأ الأسرة الرومية المالكة : الأسرة العمورية Amorian ) التي ينتسب إليها توفيل ، ( رمضان 223 ه - صيف 738 م ) ، فتركها قاعا صفصفا . وكان أبو تمّام مع المعتصم ، فلمّا عاد المعتصم إلى عاصمته سامرّا ، سنة 224 ه ، أنشده أبو تمّام هذه القصيدة : السيف أصدق إنباء من الكتب ، * في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب « 5 » .
--> ( 1 ) ورده أيضا إلى الموت نفس تخاف أن يلزمه العار ( العيب طول حياته ) إذا لم ينجد بني قومه في القتال . وتخلف العربي عن نجدة أخيه في الحرب يعد كفرا ، بل الكفر أقل منه . ( 2 ) فأثبت في مستنقع الموت رجله : أدرك أنه مقتول لأنه وحده والأعداء كثيرون ، فصمم على أن يموت وهو يقاتل . وقال ، يا رجلي ، الحشر ( البعث من الموت ودخول الجنة ) تحت باطنك : قريب جدا . ( 3 ) غدا غدوة ( هجم هجمة واحدة ) . والحمد نسج ردائه ( لأنه كان مخلصا في هجمته جادا فلم ينصرف ) لم يتوقف عن هجمته لا وأكفانه الأجر ( الا لما مات ونال أجر شهيد في سبيل اللّه ، والشهادة في سبيل اللّه تدخل صاحبها الجنة ) . ( 4 ) تردى ثياب الموت حمرا : مات مقتولا ( صبغ الدم الأحمر ثيابه ) . دجا ( اسودّ ) لها الليل : جاء عليها الليل ( صار الليل ) . الا وهي من سندس خضر : الا أصبحت من حرير أخضر ( دخل الجنة ) . الثياب السندس الخضر من لباس أهل الجنة ( سورة الكهف 18 : 31 ) . ( 5 ) في حد السيف ( الحرب ) فاصل بين الرصانة والهزل ( الحق والباطل ) : كان المنجمون في البلاط الرومي قد ذكروا للإمبراطور أن العرب لن يستطيعوا فتح عمورية قبل نضج التين والعنب ، على ما تقول النجوم .